عبد الرحمن بدوي
132
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
قال أحمد : لولا أن الدماغ سيال رطب لما ارتبط به النفس مع طلبه لمحلّه . قال أفلاطون : وهو أشبه الأعضاء تركيبا بما يراد . قال أحمد : إن الأشياء التي تتجاور مدة من الزمان خليق « 1 » أن تتشابه أجزاؤها في التركيب والهيئة . فالدماغ ، لطول مجاورته النفس العقلي واختلاطه ، وجب أن يتشابه به . والنفس العقلي بسيط كما ذكرنا . قال أفلاطون : وليس في الأعضاء أسرع نموّا وانفصالا منه . قال أحمد : كما أن الشعر في نهاية الغزارة ، والدليل عليه طلبه لمفارقة الحيوان ، كان الدماغ لقبول لطيف الغذاء ثم تأدية ذلك في الأعصاب المتشعبة منه - وجب أن ينسب إلى ما نسبه . قال أفلاطون : وكما أن الشعر الذي نسبته للغالب فيه اليبس ، فالدماغ غالب ، والرطوبة ، حتى صار يمنع « 2 » النفس من كثير من أفعالها . قال أحمد : قلت بدءا إن هذه الأشياء التي ينبغي أن تدبّر لهذا العمل يجب أن تخرج منها العوارض الفاسدة التي تخرج للشئ عن حدّ الاعتدال في كل شئ من هذه الأشياء . وكل شئ غلب عليه فهو يسهّل جزءا من العمل ويصعّب جزءا . ألا ترى أن الدماغ ، لما غلب فيه الرطوبة ، أيسر تحليلا وأصعب تنقية وتفريقا ؟ والشعر لما كان الغالب فيه اليبس سهل تفريقه وتنقيته ، وعسر تحليله . فكل هذه الأسباب العارضة نافعة في نوع [ 5 ب ] ضارة في غيره . فأنا ممثل لك في كتابي هذا وفي غيره جنس الشئ وما يكون منه ؛ ثم أنت أعلم وما تختاره مما أنت أقدر على تدبيره ؛ فقد يسهل على الرجل ما يعسر على غيره . وقد سألني « ثابت » فقال : ما بال الفيلسوف اختار الشعر الأسود وهو أولى باليبس ، من الأحمر الذي ( هو ) شعر أهل البلدان الشمالية ؟ فقلت : إن الشعر الأحمر وإن كان أكثر رطوبة فهو يقصر في غزارته ونضجه عن الشعر الأسود . فرأى الفيلسوف أن انتزاع الرطوبة منه أهون على العامل من تدبيره تدبير الطبيعة في النضج والتبليغ به في
--> ( 1 ) ص : من الزمان العقل المخليق أن تتشابه . . . - وفيه حشو وتحريف . ( 2 ) ص : ممنع .